الرغبة في الحوكمة
الحوكمة هي مجموعة القواعد والقوانين والأُسُس التي تَضبط عمل الشَّركات، وتُحقّق الرقابة على كوادرها، وتُنظّم العلاقة بينها وبين أصحاب المصلحة. وذلك بهدف تحقُّق الشَّفافية والعدالة ومُكافَحة الخلل القِيَمِيّ بين الموظَّفين.
ومع التطوُّر الكبير في التكنولوجيا، وما يتبع ذلك من تحديثٍ وتطويرٍ في جميع مجالات الحياة، بما فيها إدارة المُؤسَّسات والشَّركات؛ حيث تعمل على استخدام كلّ الطَّاقات والنَّظريَّات المُتجدِّدة بالإدارة، وبما فيها استخدام التَّطوُّر التكنولوجيّ بغرض تحسين الأداء والمُراقَبة، وخَلْق وحدات القياس، مع رَبْط ذلك بمحاسبة الكوادر من جهة أو تحفيزهم وتشجيعهم ومكافأتهم من جهة أخرى.
وإنَّ الدُّخول بمنظومة الحوكمة وما يندرج تحتها من خَلْق أنظمة ولوائح داخليَّة تخدم هذا الغرض المرجوّ لصاحب العمل وتساعده في تطوير واستدامة المنظومة كلها، وتعمل على تفادي الأخطاء البشريَّة أو العجز القيميّ والأخلاقيّ بين الكوادر إن وُجِدَت.
وتتجلَّى ضرورة وأهميَّة الحوكمة في المُؤسَّسات الكبيرة المترامية الأطراف والأقسام والفعاليَّات، والتي يَصعب المتابعة والمراقبة فيها بدون وجود نظام الحوكمة المنضبط؛ بحيث يُطبَّق على جميع مناحي العمل.
ولكن من جهة أخرى أودّ هنا أن ألفت النَّظر إلى بعض التَّحدِّيات أو المطبَّات التي يقع فيها صاحب العمل أو حتى الإدارة القائمة على تنفيذ هذه الحوكمة، ومنها ما يلي:
١- اختيار الكوادر لتطبيق الحوكمة:
يلجأ كثيرٌ من أصحاب الأعمال إلى تعيين مديرين أكفاء؛ بهدف إحداث التَّطوير وتطبيق نُظُم الحوكمة، واجتذاب قادة من منظومات كبيرة عُرف عنها الحوكمة والجودة في الأداء ليأخذ موقع المدير التنفيذيّ في المُؤسَّسة الجديدة متوسطة الحجم أو ذات طبيعة العمل المختلفة؛ بحيث يكون لديها أكثر من نشاط أو فعاليَّة، بينما المدير الجديد ينحصر عمله السَّابق ضمن فعاليَّة محدَّدة ونشاط واضح ضمن تركيبة كبيرة دون أن يكون لديه الخبرة في باقي الأنشطة والفعاليَّات التي لدى المُؤسَّسة الجديدة حتى لو كانت أقل حجمًا أو بموقع مختلف ومُتعدّد الأنشطة.
٢-الحوكمة والإسقاطات التابعة له:
إنَّ تغليب تطبيق الحوكمة ذات المعايير العالية على أدقّ التَّفاصيل قد يُؤدِّي إلى نوع من البيروقراطيَّة تُعِيق العمل وتَقدُّمه؛ ما لم يتمّ معالجته بآليَّات موضوعيَّة.
٣- انعدام المُبَادَرة وقَتْل رُوح المسؤوليَّة:
عدم مرونة نظام الحوكمة وتطبيقه بطريقة جامدة في المُؤسَّسات ذات الحجم المتوسِّط أو الصغير يخلق شعورًا سلبيًّا عن الموظَّف، ويقتل فيه روح المُبادَرَة وتحمُّل المسؤوليَّة، ويُحوّله إلى آلة روبوت كونترول يفقد القيمة المضافة للعقل البشريّ.
٤- تضخُّم منظومة الحوكمة:
تطبيق منظومة الحوكمة يحتاج كوادر إشرافيَّة ومتابعة بغرض وضع الأنظمة واللوائح ومتابعة تنفيذها، ولكن إذا لم يكن حجم العمل كبيرًا وذا عائد مُجْزٍ؛ فسوف يواجه تكاليف ضخمة تفوق قيمة العائد من الحوكمة.
٥- استيراد نظام الحوكمة:
يذهب الكثيرون إلى الاستعانة بمكاتب استشاريَّة مهمَّة ومعروفة وذات نجاحات سابقة، ويعملون على إسقاط ما طبّقوه من أنظمة في مُؤسَّساتهم دون أيّ تعديل، بينما لكل مُؤسَّسة احتياجات محدَّدة تعود لطبيعة وحجم وأنشطة المُؤسَّسة نفسها؛ حيث عدم مراعاة ذلك سوف يُعِيق الحركة في المُؤسَّسة ويقتلها.
٦- لوائح الحوكمة:
وضع لوائح الحوكمة وإسقاطها على أيّ مُؤسَّسة يجب أن يكون من جهة ذات خلفيَّة تشغيليَّة من طرف، وماليَّة من طرف آخر وقانونية من طرف ثالث، ولكن يغلب على أصحاب العمل إسناد هذا الأمر إلى مديرين ماليين ذوي خلفيَّة بنكيَّة أو مراكز استثماريَّة بحتة، وإغفال الجهة التشغيليَّة؛ ممَّا يؤدّي إلى خلل في المنظومة.
وفي هذا السياق أود أن أؤكد على ضرورة وأهميَّة الحوكمة؛ حيث تعمل على مجموعة مزايا مهمة منها ما يلي:
١- تساعد الشَّركات على تحقيق نجاحات طويلة الأجل.
٢- تحافظ على ثقة المستثمرين؛ مما يستدعي زيارة رأس المال بأريحيَّة، أو يُحسّن الثِّقة لمالكي الأسهم السُّوقيَّة.
٣- تعطي تحكُّمًا أوضح لإدارة المخاطر وتُقلّل الهَدْر والفساد.
٤- تعطي توجيهًا واضحًا لمالكي الشَّركة في استراتيجيَّة إدارتها.
٥- تخلق سُمْعَة وقيمة مُهمَّة للعلامة التّجاريَّة للشَّركة.
وأخيرًا: الحوكمة شيء مهمّ، ولكن يخضع لقوانين وسُنَن مُتطلَّبات النَّجاح، والتي يجب العمل عليها؛ لكي يتحقّق الهدف المرجوّ منها.