ذكريات من الماضي ." مغامرات البحر والخشب "
تعود بي الذكريات خمسين عاما الى الوراء ( أيام المدرسة في المرحلة الابتدائية والاعدادية ).في بيت المينا زاروب كان يطلق عليها ( زاروب أبو هاني) في حي الميناء القديم ، و مطل على البحر مباشرة ، لدرجة أنه كانت مياه البحر والموج تصل الى التراس ( البلكونة ) مع الطقس العاصف في الشتاء في بعض الأحيان ، و كانت لدينا مجموعة من القصص اللطيفة عن تلك المرحلة مع أخي الكبير غياث ربما أتحدث واسردها لاحقا، ومن هذه القصص .
" مغامرات البحر والخشب " .
كنا نقوم بتجميع الخشب من عرض البحر وبيعه حيث كانت هناك طريقتين لتفريغ بواخر الخشب القادمة للميناء ، إما ترسو على الرصيف مباشرة وتفرغ حمولتها أو تبقى في عرض البحر ويأتي لها مواعين ( حاويات تطفوا على المياه يقطرها لانش كبير ) . ويتم التفريغ من خلال رافعات موجودة على البواخر نفسها ، و خلال التفريغ يتساقط بعض قطع الخشب في المياه وتطفو وتذهب بعيدا باتجاه الرياح ( جهة الشمال ) . كنا دوما نترقب هذا الخشب وخصوصا إذا كان من النوع الجيد ( الزان ) أو الشوح الطويل و كنا نلحظه من خلال انعكاس الشمس عليه وهو يطفو على مياه البحر ، نحدد نوعه ، طوله ، عدده أيضا . ونقدر شدة الرياح وحركتها وهو مبتعدا ومدى امكانية اللحاق به ، طبعا علينا السباحة فورا باتجاهه مع الأخذ بالاعتبار الزاوية التي يجب السباحة باتجاهها بحيث نصل تزامنا مع حركة الرياح قبل أن تذهب بعيدا ويصعب اللحاق به .
من جهة أخرى علينا الحركة السريعة والسباحة الفورية قبل أن يسبقنا اليها أحد من أهل الحي .
كان العرف وقتها أن من يصل ويضع يده على الخشب أول يكون من نصيبه وطبعا بعض البواخر تكون راسية بعيدا وعلينا السباحة لمسافات طويلة تزيد عن 1000-1500متر .
طبعا لا يخلو الأمر من وجود بعض
" الزعران " من خارج الحي و أن يقترب أحدهم منك وأنت بطريق العودة ويقوم برفع السكين وغرسها على الخشب ليعبر لك بأسلوبه الخاص عن طلبه منك بالتخلي عنها فورا له ، وتعود خالي اليدين بعد مشوار طويل من السباحة ، ومما كنا نواجهه أيضا أن يصل لانش ( زورق بمحرك ) ويأخذها قبلك بعد أن تكون قطعت مسافة طويلة من المغامرة بالسباحة الطويلة ، و هكذا تتكرر المحاولات منها ما يفشل ومنها ما ينجح الى أن يتجمع ما أمكن من الأخشاب مع نهاية موسم الصيف لنذهب بها السوق الخشب ونبيعها فرحين بها .