إعطاء الثِّقَة للآخرين

وجدت من الواقع العملي أنَّ منح الثِّقَة للآخرين هو جزءٌ من العطاء الذي يُضْفِي السَّعادة على الإنسان ذاته. 

ويبدو أنَّ البشر بالعموم بطبيعتهم ينقسمون إلى نوعين؛ فهناك مَن يمنح الثِّقَة للآخرين بسهولة، ومنهم مَن يأخذ جانب التَّحفُّظ والتَّدقيق. ويعود ذلك لعوامل عدَّة ذات علاقة بعوامل كثيرة؛ منها: العمر، التجربة والخبرة، والتعلم، ... إلخ.

 

ولكلٍّ من المسارين له وعليه؛ حيث من الطبيعيّ جدًّا أن تكتشف أنك وضعت الثِّقَة بغير مكانها، وقد يعود عليك ذلك بالحزن والخصومة، وبالتالي تَحُدّ من المعاملات مع الآخرين.

 

وأمَّا إن أخذتَ بالمنحى الآخر في التَّحفُّظ المستمرّ، فسوف يعود عليك بالتَّقوقُع والانكماش، والبُعْد عن الإنجاز المُميّز. لذلك من الأهميَّة التَّوازن في الأمر مع إبقاء جميع الاحتمالات مفتوحة، وتخفيض سَقْف التَّوقُّعات من الآخرين.

وأذكر هنا أننا في إحدى مراحل التطور السريع والتوسع بالعمل توجب علينا تعينات لمدراء أقسام ومشاريع عدة ولم يخل الأمر من إخفاقات وفشل في الثقة التي منحت لبعضهم وكان لا بد من الإصلاح وإعادة التقييم ضمن مسيرة عمل مستمرة و تَوجًّب علينا عندها أن نكون أكثر حذرا ولكن ضمن معرفة كاملة بأن هذا جزء من طبيعة العمل وأن لا يأخذنا للاتجاه الآخر من الإحباط والانكماش.

 

ومع ضرورة إبقاء جذوة التَّصالح مع الذَّات أولًا بما تنتهجه؛ حيث إنَّها تبعد عنك فكرة الغَبْن، وما يتبعها من حبّ الانتقام. وتزيد التَّسامح مع الآخرين ثانيًا؛ حيث تمنحك موجات من الرَّاحة التي تسري في نفسك. وتعينك على التَّحرُّر من الإحساس بالجرح والألم. وهو الذي يجعل نفوسنا مرآة مصقولة لاستقبال الجوانب الايجابيَّة من التجربة، وتُبْقِي حُبّ الخير والشعور بالسعادة والاطمئنان في نفوسنا.

 

في الحقيقة أن ينام المرء سليم الصدر وليس يحمل في نفسه شيء ضد الآخرين أمرٌ ليس سهلًا، ولكنْ إن حصل ونجحتَ بتحقيق ذلك ستعيش حالة سعادة وانتعاش ونشوة لن ترى لذّتها إلَّا بعد أن تصل إليها. وسيكون ذلك بداية للعطاء من جديد، عندئذٍ ستكون عاملًا حقيقيًّا في البناء الذَّاتيّ والمجتمعيّ.

Previous
Previous

الانضباط والالتزام

Next
Next

الاحترام والوُدّ