الانضباط والالتزام

بحسب ما اطلعت ودرست وبحثت، فإن هناك عدة عوامل كثيرة مطلوبة لكي تكون ناجحًا في الحياة؛ منها ما يعود للقِيَم التي يجب أن تَحملها، ومنها ما يرجع لعادات ومهارات وصفات يجب التَّحلِّي بها، وهي أسباب جعَلها الله عند الأشخاص الذين كتَب لهم التَّوفيق والنَّجاح.

 وأودّ هنا أنْ أتحدّث عن أحد هذه العوامل المُهمَّة؛ ألا وهو "الانضباط والالتزام".

لقد وجدت أن هذا العامل أساس مُهِمّ في تحقيق النَّجاح؛ ففي أداء أركان الدِّين يتجلَّى الانضباط والالتزام؛ فقد شرع الله الصَّلاة بمواقيت مُحدَّدة في اليوم والليلة، والصيام والإفطار بأوقات مُحدَّدة، والزكاة لها مصارف ومقادير ومواعيد مُعيَّنة، وكذلك للحج مواقيت وأركان وسنن مُحدَّدة؛ فكل هذه العبادات تتمّ من خلال تصرُّفات وتطبيقات في أزمنة مُحدَّدة لا يمكن تجاوزها أو الخروج عنها.

نخلص من هذا إلى أنَّ "الانضباط "جزء لا يتجزَّأ من الحياة اليوميَّة، ومن الطبيعيّ أن يكون للإنسان أهداف ومشاريع في حياته سواء على مستوى عمله المهني، أو تحصيله الدِّراسيّ، أو وضعه الاجتماعي، أو بشتَّى المجالات الحياة التي يمارسها، ولكن مهما كان الهدف أو الحُلم نبيلًا وساميًا لا يمكن تحقيقه والتَّميُّز به بنجاح ما لم يكون لديه القدر الكافي من "الانضباط".

وكذلك أيّ مُؤسَّسة تجارية أو جمعيَّة في العمل العام لا يمكن أن تكون ناجحة ما لم يُعطِ أعضاؤها قدسيَّةً للهدف والرسالة التي تحملها هذه الشركة أو الجمعية، وبأن يتَّصف أعضاء إدارتها بالحدّ الأدنى من صفة "الانضباط والالتزام". ويحضرني هنا الالتزام الذي قام به مجلس إدارة شركة "ميرك " للأدوية في عام ١٩٨٧ عندما عرض عليهم مرض (العمى النهري) المنتشر في مناطق لبعض الدول الأفريقية وكانت الدارسة تقول بأن إنتاج الدواء غير مجدٍ اقتصاديا لأنه لا يوجد قوة شرائية في المنطقة وسوف يكون غير مجدٍ إنتاجه ومع ذلك كان القرار من مجلس الإدارة هو الاستمرار في إكمال البحث العلمي لاستكشاف الدواء وإنتاجه وتزويد البلدان التي يستوطن فيها المرض مجاناً وكان هذا القرار بسبب الالتزام برسالة الشركة التي وضعت منذ تأسيسها وهي :

" خدمة الانسانية " ولكي لا يؤثر عدم الالتزام بالرسالة على الباحثين والعاملين بالشركة.

 ولكي تكون أكثر انضباطًا عليك الالتزام بالأمور التَّالية:

١- الانخراط عاطفيًّا في الحُلم أو الهدف الذي وَضَعته لنفسك:

عليك أن تعيش وتستذكر ذلك يوميًّا، وأن تُبقي الحماس موجودًا دومًا بداخلك؛ حيث "الانضباط" بدون الحماس سوف يتوقَّف مع الأيام، وهناك رابط كبير بين الاستمرار بالانضباط والحماس، مع الاستحضار المستمرّ للهدف والمكان الذي تسعى للوصول إليه.

٢- التَّعامُل مع المُعوّقات والانشغالات اليوميَّة:

هناك التزامات ومُعوّقات يوميَّة كثيرة سوف تظهر أمامك، ولكنْ عليك الإصرار على القيام بالالتزامات التي وَضَعْتها لنفسك مسبقًا، وإعطاء الأولويَّة لها. لا تعطِ لنفسك أيّ عذر في التَّأخير أو التأجيل لاجتماع يخصّ الهدف المرسوم، واهتمَّ بالموعد المحدَّد ما لم يَحْدُث عُذْر قهري.

٣- رزنامة الوقت:

من الأهميَّة القصوى تحديد المُنجَزات المطلوبة خلال وقت محدَّد، ومراقبة ذلك، والالتزام بتخصيص الوقت للغرض والهدف المرجوّ دون الانخراط بأمورٍ ومعوّقات أخرى؛ حيث إنَّ أكبر مُعوّق للانضباط هو أنْ تعيش بعشوائيَّة وبدون رزنامة وقت مُحدَّد للأعمال المطلوب إنجازها وكلّ قرار يتمّ اتّخاذه بدون أنْ يكون مُحدَّدًا بزمنٍ فهو قابل للفشل في التحقيق.

٤- ضع مكافأة اجتماعيَّة لنفسك:

بالتأكيد ليس سهلًا أن تكون منضبطًا باستمرار؛ ما لم يكون هناك شيء ملموس تحصل عليه وترى نتيجته، ولذلك اعمل على تقسيم النتائج؛ بحيث تكون هناك إنجازات جزئيَّة خلال الطريق للحُلم والهدف الكبير، (مثال على ذلك: إذا قررتَ تخفيض ١٠ كيلو جرامات من الوزن خلال ستة أشهر، فلا بأس أن تضع هدفًا لكل شهر أو لكل شهرين، وراقب تحقيقه، واسعد بالوصول إليه مع نهاية كلّ شهرٍ، وشارك هذه السَّعادة للقريبين منك، وكذلك لو كنت تُؤلّف كتابًا فلا بأس أن تحتفل بانتهاء كلّ فصل فيه، وهكذا).

هناك أهميَّة كبيرة في الحفاظ على استمرار الانضباط من خلال التحفيز إن كان داخليًّا، ومع نفسك، أو من خلال مشاركة الآخرين لك، وتحفيزهم ومشاركتهم فرحتك بالإنجاز.

أخيرًا اعلم جيدًا أنَّ مِن أهم الأمور التي تنطوي تحت بند "الانضباط والالتزام" أن تُخطِّط مسبقًا لما تريد، واكتبه بوضوح، وأن تُلْزِم نفسك بالاستيقاظ باكرًا، لتنفيذ ما كتبته.

Previous
Previous

اقتبس من الأذكياء

Next
Next

إعطاء الثِّقَة للآخرين