متى نطل خارج الجرة
لم استغرب عندما احتد حوار جرى على احدى المجموعات الثقافية و انسحب عدد من افرادها، رغم انهم من طيف و لون و أيدلوجية واحدة .
طبيعة العمل الذي أقوم به يتطلب مني أن اتعامل مع اطياف و جنسيات و بلدان متعددة الاعراق والثقافات و الايدلوجيات المتنوعة مما دفع بي لعمل عدة مراجعات مع الذات و إلقاء الضوء حول بعض المفاهيم البسيطة التي تحسن من التواصل بيننا وتكرس الألفة والمحبة وتطور فينا استيعاب بعضنا البعض و منها :
١- إن حواراتنا أحيانا تذكرني بمثل قديم يحكي عن مجموعة من الأرانب تعيش داخل جرة كبيرة من الفخار يكون جل اهتمامهم يتمحور من سيكون بموقع الطعام وأخرى تزاحم على موقع أذن الجرة المرتفع قليلا ، و الثالثة تتربع على موقع الشراب و هكذا تدور الخلافات بيننا ضمن محيط ضيق سقفه فوهة الجرة وكأن العالم محصور في هذا المكان المحدود ، و لا أحد منا يطل بالنظر من فوهتها ليكتشف أن العالم أكبر من ذلك بكثير والدنيا تتسع للجميع و ليس فقط من صنف و لون و حجم هذه الجرة والأرانب التي فيها .
٢- العلم والمعرفة لم ولن يتوقف عندنا وهناك دوما معلومة أو حقيقة ليست بالضرورة لدينا ومهم أن نستحضر ذلك في حواراتنا وتواصلنا مع الآخرين .
٣- الحكم على حادثة بعينها لا يخضع بالضرورة للمنطق دائما ، إنما هناك اعتبارات خارج المنظور والمنطق و يخضع لبعد آخر ، و حوادث سيدنا الخضر الثلاثة ( خرق السفينة ، قتل الغلام ، بناء الجدار ) مع سيدنا موسى أكبر دليل على البعد الاستراتيجي للحكم والذي هو أهم من الموقف اللحظي .
٤- لا نجعل الانتصار للذات في موقف معين له الأولوية مقابل خسارة ود الآخرين .
٥- كثير من الأحيان الحكم في قضية يخضع للزمان والمكان والمحيط وقد يتغير ذلك مع تغيرهم ، و معلوم أن رأي الامام الشافعي بالعراق ليس كما ورد بمصر .
٦- التموضع والاصطفاف الندي الحاد اليوم لن يخدمنا عندما تتغير المواقف والمواقع وأماكن التموضع بالمستقبل ولا حاجة للشخصنة فئ حواراتنا ، و ضرورة الإبقاء على خيط الود مع الآخرين .
٧- من الأهمية استحضار اختيار موقع الطبيب والمداوي والمصلح و المحب للآخرين وليس موقع الندية و إثبات الذات والحقيقة المطلقة ( باستثناء القضايا العقائدية ) .
إن الأخذ بهذه الاعتبارات سوف يساعد في بناء علاقات قوية على صعيد الاسرة والمجتمع واصدقاء العمل ، و يسهم في زيادة المعرفة ، و التطور الشخصي والمهني و التواصل الفعّال ، و يمكنه توضيح المشاكل والاحتياجات والمطالب بشكل أفضل ، بالتالي يتيح الفرصة لإيجاد حلول مناسبة ، و يسهم في تعزيز التعاون والتفاهم وتحقيق الأهداف المشتركة ، و يمكن القول أن فن التواصل يساهم في تحسين جودة حياتنا الشخصية والمهنية ويساعدنا في بناء علاقات صحية ومثمرة مع الاخرين .