الإحسان أم العدل؟
تعلمُت منذ سنوات قليلة أنَّه من الضروريّ للإنسان أنْ يتحلَّى بصفة الإحسان، وأجد أنَّ مَن يعمل بالشَّأن العام أو من تقتضي طبيعة عمله الاختلاط بالناس بشتَّى ألوانهم لا يكفيه العمل مع الآخرين بالعَدْل أو بالمِثْل. وإنَّما عليه أن يأخذ جانب الإحسان والسَّماحة؛ لأنه ليس من الحكمة ولا حتَّى في ميزان الرِّبح والخسارة أنْ تُعامِل النَّاس كمَا يُعاملونك أو يُبادرونك في بعض الأحيان بالأذية أو الإساءَة؛ لأن كثيرًا منهم جاهلٌ بالحقيقة، ونظرًا لعدم معرفته بها ليس أكثر يكون سلوكه سلبيًّا.
في الوقت نفسه عندما أقول: "العَدْلُ لا يكفي"؛ أتوجَّس من أن تَحْمل هذه الكلمة مُخالفةً شرعيةً؛ إلَّا أنَّه لفَت انتباهي مُؤخَّرًا أحد الأصدقاء من ذوي العِلْم الشَّرعيّ بأنَّ هناك آيات عدَّة في القرآن الكريم تحثّ على السَّير قُدُمًا بهذا السِّياق؛ بل إنَّ هناك تفسيرات في بعض المواقف يتوجب علينا فيها الأخذ بالإحسان؛ حتى نُعرِض عن أذية الآخرين.
من هنا أودّ أن ألفت انتباه العاملين بالشَّأن العام، وخصوصًا الذين يَرْجُون وَجْه الله تعالى بعملهم، أنَّ الإحسان في معاملة الآخرين واجبٌ عليهم، وليس اختيارًا لهم، وأنَّ الإحسان إلى النَّاس سببٌ لكسب قلوب الناس وللفوز بأجور عظيمة عند الله تعالى.
أنا أجد أنه قد يكون ذلك السلوك جزءًا مُهمًّا من الصِّفات التي يتحلَّى بها هؤلاء دون غيرهم؛ ليكونوا مُؤثِّرين فعلاً في المحيط الذي يعملون به. كما أنَّ سلوك سبيل الإحسان إلى الآخرين مطلبٌ لعموم النَّاس، ولا يَقتصر ذلك على مَن هو في ذات الملة أو الدين، وإنَّما هو مطلوب مع عموم البشر.
وسلوك العدل يَصْلُح فقط عندما يكون الإنسان الطَّرف الثَّالث القائم على الفَصْل والحُكْم بين طَرَفَيْن، وليس السّلوك المطلوب إذا كان الإنسان أحد الأطراف. فالعدل مطلبٌ شرعيّ لكلّ قاضٍ، لكنَّه بالنِّسبة لك أيها الإنسان هو مطلبٌ شرعيّ تُتْبِعُه بالإحسان لعباد الله جميعًا بما يلزمك؛ كالإنفاق تطوُّعًا، والعفو عمَّن ظلَمَك، وهكذا.